أبي منصور الماتريدي

415

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فمنهم من يقهرها فلا يعطيها شهواتها ، فهو أبدا في جهد وعناء . ومنهم من يذكرها العواقب ويريها ما أعد لأهل الطاعة ، ويعلمها ما يحل بالظلمة ؛ فيصير ذلك لها كالعيان ؛ فتختار لذّات الآخرة على لذات الدنيا ؛ إذ ذلك أدوم وألذ ، ويسهل « 1 » عليه العمل للآخرة « 2 » ، والهوى هو ميل النفس إلى شهواتها ولذتها ؛ ففيه أن الأنفس جبلت على حب الشهوات والميل إليها ، ولا تنتهي عن ذلك إلا بما ذكرنا . وقوله - عزّ وجل - : يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ : هي القيامة ، سميت : ساعة ؛ لما يخف « 3 » أمرها على من إليه تدبيرها . أو سميت : ساعة ؛ لسرعة كونها إذا أتى وقتها . أو سميت : لقربها إلى الحالة التي كانوا عليها ؛ كقوله تعالى : أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] . ثم إن كان هذا السؤال من المؤمنين فهو سؤال استهداء ، كأنه لما قيل لهم : إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ [ الانفطار : 1 ] ، و إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [ الانشقاق : 1 ] ، قالوا : متى تكون الساعة ؟ فنزلت هذه الآية . وجائز أن يكون السؤال من الكفرة ؛ لما ذكرنا أنه ليس في تبيين وقتها كثير منفعة حتى تقع الحاجة للمسلمين إلى تبيينه بالسؤال ؛ فيسألونه سؤال استهزاء واستخفاف برسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، ويسألونه استعجالها بقوله : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها [ الشورى : 18 ] ؛ فكانوا يسألونه عن شيء يعلمون أنهم متعنتون في السؤال ؛ قصدا منهم للتمويه والتلبيس على الضعفة والأتباع ؛ لأنهم كانوا يعلمون أن ذلك الوقت ليس هو وقت مجيء الساعة ، فإذا طلبوا الاستعجال علموا أنه لا يتهيأ له أن يريهم في ذلك الوقت ؛ إذ ذلك يخرج مخرج خلاف الوعيد « 4 » ؛ فيحتجون « 5 » على الضعفة أنه لو كان صادقا في مقالته : إن الساعة تكون ، لكانوا متى طلبوا مجيئها ، يأتيهم بها . وقوله - عزّ وجل - : فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ، أي : لست أنت من علمها في شيء . هذا إن ثبت أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لم يطلع عليها [ أو لست أنت من أخبارها في شيء ؛ إذا لم يثبت ، ولم يعلم أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لم يطلع عليها ] « 6 » . وقوله - عزّ وجل - : إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ، أي : منتهى علمها ؛ فيكون هذا نهيا للسائلين

--> ( 1 ) في أ : وسهل . ( 2 ) في ب : لآخرته . ( 3 ) في أ : إما ليخف . ( 4 ) في ب : الوعد . ( 5 ) في أ : فيحتسبون . ( 6 ) سقط في أ .